الشيخ علي الكوراني العاملي
8
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي
فيما عدا ذلك . وأثبت ابن جني الإشتقاق في الحروف » . وعندما فتحوا باب الإشتقاق حتى من الحروف ، انفتح عليهم باب الافتراض فأخذوا يفترضون جذراً للكلمة ، ويبحثون عن مناسبة تبرر اشتقاق فروعها منه وكثرت اجتهاداتهم فيه ، وأكثرها ظنونٌ ، وبعضها لا يزيد عن الاحتمال . وسترى اختلافاً كثيراً بين الراغب وابن فارس ، فالراغب يميل إلى ربط الألفاظ بأصل واحد ويتكلف لذلك ، وابن فارس أقل منه تعصباً ، فعندما يرى أن مفردات المادة لا يمكن أن ترجع إلى أصل واحد ، يجعلها أصلين أو أكثر . وسترى أن الحق يحالف ابن فارس غالباً . أما الخليل فلم يتبنَّ منهج الراغب ولا ابن فارس في إرجاع فروع الكلمة إلى جذر واحد ، بل يذكر معاني الكلمة واستعمالاتها ، وقلَّما ذكر مصدر الإشتقاق . وهذا من وَفْرَة عقله ، فقد نأى بنفسه عن بحر التخمين والظنون ، لأن الله وحده يعلم خريطة نشوء اللغة وولادة ألفاظها ، وكيف استعمل الإنسان إلهام ربه في وضعها عبر مئات السنين ، وأي كلمة وضعها أولاً ، ثم وضع الثانية على ضوئها أو وضعها مستقلة بإلهام ربه ، فجاءت تُشبه الأولى في حروفها . . الخ . اللغويون عيالٌ على الخليل الفراهيدي جعل علي عليه السلام كل علماء النحو عيالاً على أبي الأسود الدؤلي الكناني ، عندما وضع علم النحو وأعطاه صحيفةً وعلمه أن يُفَرِّع عليها ، وقال له : أُنْحُ هذا النحو ، فسُمِّيَ علم النحو . وكان في الصحيفة : « الكلام ثلاثة أشياء : إسمٌ وفعلٌ وحرفٌ جاء لمعنى ، فالاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أوجد معنى في غيره » . وكان أبو الأسود يُفَرِّعُ عليها ويراجع أمير المؤمنين عليه السلام فيوجهه ، حتى استكمل وضع علم النحو . قال الزجاج : أخذه عنه عتبة ، ثم ابن أبي إسحق ، ثم عيسى ، ثم الخليل ، ثم سيبويه ، ثم الأخفش ، ثم المازني ، ثم المبرد ، ثم أبو بكر بن السراج ، ثم أبو علي الفارسي ، ثم علي بن عيسى ، ثم الحسن بن حمدان ، ثم أحمد بن يعقوب . « راجع : سبب وضع علم العربية / 34 ، وتاريخ الخلفاء / 141 ، للسيوطي » . ثم جاء حفيداه الإمام زين العابدين والإمام محمد الباقر عليهما السلام فجعلا علماء اللغة عيالاً على الخليل بن أحمد ، فكان نابغة عصره ، وكُلُّ مَن بعده عيالٌ عليه ، فهو أستاذ سيبويه ، وواضع علم العروض ، ومؤلف كتاب العين ، أول كتاب من نوعه .